السيد محمد باقر الصدر

90

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

مختلف الساحات الأخرى . فمثلًا : حينما نتحدّث عن قانون طبيعي لغليان الماء ، نتحدّث بلغة القضية الشرطية ، نقول بأنّ الماء إذا تعرّض إلى الحرارة وبلغت الحرارة درجة معينة ، مئة مثلًا في مستوى معين من الضغط ، حينئذٍ سوف يحدث الغليان . هذا قانون طبيعي يربط بين الشرط والجزاء ويؤكد أنّ حالة التعرض إلى الحرارة ضمن مواصفات معينة تذكر في طرف الشرط ، تستتبع حادثة طبيعية معينة وهي غليان هذا الماء ، تحوّل هذا الماء من سائل إلى غاز . هذا القانون مصاغ على نهج القضية الشرطية . ومن الواضح أنّ هذا القانون الطبيعي لا ينبّئنا شيئاً عن تحقّق الشرط وعدم تحقّقه ، لا ينبّئنا هذا القانون الطبيعي عن أنّ الماء هل سوف يتعرض للحرارة أو لا يتعرض للحرارة ؟ هل أنّ حرارة الماء ترتفع إلى الدرجة المطلوبة ضمن هذا القانون أو لا ترتفع ؟ هذا القانون لا يتعرض إلى مدى وجود الشرط وعدم وجوده ، ولا ينبئنا بشيء عن تحقق الشرط إيجاباً أو سلباً ، وإنّما ينبّئنا عن أنّ الجزاء لا ينفك عن الشرط ، متى ما وجد الشرط وجد الجزاء . فالغليان نتيجة مرتبطة موضوعياً بالشرط . هذا هو تمام ما ينبّئنا عنه هذا القانون المصاغ بلغة القضية الشرطية . ومثل هذه القوانين تقدّم خدمة كبيرة للإنسان في حياته الاعتيادية وتلعب دوراً عظيماً في توجيه الإنسان ؛ لأنّ الإنسان ضمن تعرّفه على هذه القوانين يصبح بإمكانه أن يتصرّف بالنسبة إلى الجزاء ، ففي كل حالة يرى أنّه بحاجة إلى الجزاء يُعمِل هذا القانون ، يُوفّر شروط هذا القانون ، ففي كل حالة يكون الجزاء متعارضاً مع مصالحه ومشاعره يحاول الحيلولة دون توفّر شروط هذا القانون . متى ما كان غليان الماء مقصوداً للإنسان يطبّق شروط هذا القانون ، ومتى ما لم يكن مقصوداً للإنسان يحاول أن لا تتطبّق شروط هذا القانون .